الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
89
مرآة الحقائق
وجود له في الحقيقة ؛ ولذا لا يغفره اللّه ، ولا يستره بخلاف الشرك الصوري ؛ وهو ما لم يكن عن اعتقاد ؛ بل كان إكراها وإجبارا ، فإن له سلطان ، كما قال تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] . فإذا كان الشرك الإجباري مغفورا ؛ كان العصيان الاضطراري مغفورا أيضا ؛ كأكل الميتة حال المخمصة ، وشرب الخمر حال الغصة ونحو ذلك ؛ فإن له برهانا سماويا أيضا ، كما عرف في القرآن . وبالجملة : إن ما أضيف إلى اللّه تعالى ؛ فهو إيمان ولو في صورة الشرك ، وما أضيف إلى العبد فهو شرك ولو في صورة الإيمان ، نعم قد يكون إضافة المعصية إلى النفس توحيدا لما يقتضيه طريق الأدب ، وإن كان كل الأفعال صادرة بخلق اللّه تعالى وتأثيره . وقال اللّه سبحانه وتعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آل عمران : 159 ] . باء السببية وما بعدها : تشير إلى أن رحمة اللّه تعالى ذاتية أصلية ، ليست بجعل جاعل أو بسبب من الأسباب . أمّا الأول : فلأنه لو كانت بالجعل ، يقتضي تقدّم الجاعل عليه تعالى ، واللّه تعالى هو الأول والآخر . وأمّا الثاني : فلأن كونها بالسبب ، يقتضي العلل في الصفات الإلهية ، وإلى أن رحمة العبد عرضية فرعية ، لكن هذا يتصور على وجهين : الأول : أن يكون العبد مجبولا عليها في الفطرة الأولى . والثاني : أن يتصور ذلك بحسب الأمور الخارجة عن ذات الراحم . فرحمة النبوة من الرحمة الأولى الجبلية ؛ لأنها وإن كانت عارضة لذاته لاحقة لها من قبل اللّه تعالى ؛ لكنها لمّا كانت الذات مجبولة عليها في الفطرة الأولى ؛ جعلت كأنها ذاتية ليس من الخارج أصلا ، وهو المناسب لشأن النبوة . وإمّا رحمة غير النبوة : فقد تكون ذاتية ، وقد تكون بالممارسة ، ورياضة النفوس وتعليمها ، والمباشرة بأسباب الرحمة ، فظهر أن كون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليّن الجانب لأمته ؛ وإنما هو من آثار الرحمة الذاتية التي أودعها اللّه تعالى فيه لا من آثار الرحمة الفرعية التي